[esi views ttl="1"][esi views ttl="1"]

وجه (ص ن ع ا ء) بين الحلم والكابوس

الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح - نشوان نيوز - وجه (ص ن ع ا ء) بين الحلم والكابوس

أيُّ وجهٍ أحدِّثُ عنهُ؟
لصنعاءَ وجهانِ،
أربعةٌ
ألْفُ وجهٍ..
فصنعاءُ خادمةٌ في بلادِ النَّجاشي،
ومنسيَّةٌ في سجونِ الرشيدِ،
وضائعةٌ في بلادٍ كثيرةْ.

(أسكنَ اللهُ آدمَ الجنَّةَ، فكانَ يمشي فيها مستوحشاً ليسَ له زوجٌ يسكنُ إليها، فنامَ نومةً فاستيقظَ، وإذا عندَ رأسِهِ امرأةٌ قاعدةٌ، خَلَقَها اللهُ منْ ضِلْعِهِ؛ فسألَها آدمُ: مَنْ أنتِ؟ فقالتْ: امرأةٌ. قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالتْ: تسكنُ إليّ).

صادقٌ وجهُ صنعاءَ
الذي في المنامِ رأيتُ ملامِحَهُ..
خارجاً - كانَ - منْ رَحِمِ اللَّيلِ
ممتطياً مُهْرَةَ الفَجْرِ،
في كَفِّهِ الشمسُ تختالُ في ثوبِها،
ونخيلُ الجزيرةِ..
أسباطُها يسجدونَ حوالَيْهِ..
هذا إذنْ وجهُ صنعاءَ
وجهُ التي عَذَّبَتْ كلَّ عشّاقِها
واستكانتْ لجلاّدِها.
أطلقوا قدمي منْ حبالِ التَّشَرُّدِ
حينَ أعودُ إليها
ادفنوني على صدرِها مثخناً
أو قتيلاً،
أنا بعضُ عشّاقِها
لستُ وَحْدي العشيقُ،
فما أكثرَ الواقفينَ على بابِها:
الذي يحملُ الرُّوحَ في كَفِّهِ
والذي يحملُ الرأسَ مقطوعةً.
كنتُ أفقرَ عشّاقِها،
أبخلَ الواقفينَ على البابِ
كانتْ قصائدُ شِعْري هديّةَ عُمْري
لها يومَ ميلادِها
ليلةَ العُرْسِ.
مذْ فقدَتْ في الرَّبيعِ ضفائرَها
وفصولي شتائيّةٌ،
ودياري هيَ الحُلْمُ
منْ أجْلِها أسكنُ الشِّعْرَ
والشِّعْرُ يسكنُني
يتخلَّقُ عَبْرَ دمي،
تحتَ جِلْدي خلايا وأنسجةً.
وجهُ صنعا
الذي لا يشيخُ
الذي لا ينامُ
الذي لا يعاشرُهُ المستحيلُ،
الذي في المنامِ رأيتُ ابتسامتَهُ
تَشْهَرُ السيفَ في وجهِ أحزانِنا،
تتحدَّى سجونَ الإمامةِ
والحرسَ الخاصَ،
تنشرُ سُحْبَ التفاؤلِ
فوقَ العيونِ التي يزرعُ الجدبُ أجفانَها
خشباً
ورمالاً منَ اليأسِ ينقذُني..
في النهارِ الكليلِ
يرافقُني في المغاورِ شمساً،
وفي اللَّيلِ
يركضُ في خيمتي قمراً،
كلَّما اشْتَقْتُ للوطنِ المستباحِ النجومِ
نَشَرْتُ خريطتَهُ في دمي
فوقَ جمجمةِ الشِّعْرِ،
في عَظْمِهِ،
وتحسَّسْتُ جرحَ القُرَى
والمدائنِ..
فاستيقظي يا جماهيرَ (وادي القُرَى)
ها هيَ الآنَ تبتسمُ
الآنَ تجترحُ الرَّفْضَ
تفترعُ الفرحَ الأزليَّ على صخرِ
أوجاعِنا،
تتخطَّى المسافاتِ ما بينَ صحرائِنا
والحدائقِ،
ما بينَ أزهارِ (دجلةَ) والرَّمْلِ..
شبهُ الجزيرةِ ينعتقُ الآنَ،
يكتبُ تاريخَ ميلادِهِ
الفقراءُ الذينَ يبيتونَ جوعى
يصادرُ سُفْنَ قناديلِهم ملكُ اللَّيلِ،
تنهضُ منْ نومِها الجُزُرُ الغافياتُ..
الخليجُ يحدِّقُ في دهشةٍ
والنخيلُ تطلُّ بأعناقِها.

(ولَمّا دخلَتِ الحيَّةُ الجنَّةَ، خرجَ منْ جوفِها إبليسُ، فأخذَ منَ الشَّجَرةِ التي نهى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَهُ، فجاءَ بِهِ إلى حَوّاءَ، فقالَ: انظري هذه الشجرةَ.. ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها، فأخذَتْ حوّاءُ فأكلَتْ منها، ثمَّ ذهبَتْ بها إلى آدمَ، فقالتِ: انْظُرْ إلى هذه الشجرةِ.. ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها؛ فأكلَ منها آدمُ فبدَتْ لهما سوآتُهُما).

وجهُ صنعاءَ كانَ الفنارَ
المنارةَ
والعِشْقَ،
واللَّهَبَ المتوهِّجَ في ليلِ شِبْهِ الجزيرةِ،
لكنَّها انكفأَتْ،
لم يعدْ وجهُها وجهَها!
أيُّ وجهٍ أحدِّثُ عنهُ؟
لصنعاءَ وجهانِ،
أربعةٌ
ألْفُ وجهٍ،
فصنعاءُ خادمةٌ في بلاطِ النَّجاشي
ومنسيَّةٌ في سجونِ الرَّشيدِ
وضائعةٌ في بلادِ العبيدِ،
بكلِّ المنافي تجوعُ
تكابدُ شُطْآنُها
والمرافئُ ظامئةٌ..
وَهْيَ ترقبُ شمسَ المخاضِ
بلا وجهٍ اسْتَلَبُوهُ،
وكانوا يبيعونَهُ في المزاداتِ..
يختصمُ القاتلُ / الذِّئْبُ،
والثعلبُ / اللِّصُّ:
منْ سينادي عليهِ؟
ومنْ يقبضُ الثمنَ البَخْسَ؟
يغرقُ (مأربُ) في دمعِهِ،
وحوائطُ (غَمْدانَ) تحني مداخلَها خجلاً..
كيفَ تُشْرى
وتُبْتاعُ صنعا الحجارةُ،
والشمسُ
والماءُ؟
كيفَ يتاجرُ في شرفِ الأمِّ،
في عِرْضِها الاِبْنُ؟
كيفَ يساومُ وَهْوَ الذي فيهِ منْ لحمِها،
فيهِ منْ جمرِ أشجارِها
واسْمُهُ يتخفَّى - منَ التِّيْهِ -
خلفَ اسْمِها؟!
لا أصَدِّقُ،
لا تستطيعُ الجبالُ تُصَدِّقُ..
أنَّ اليمانيَّ..
هذا الأسيرَ / الطليقَ
القديمَ / الجديدَ،
يتاجرُ في عَظْمِ أجدادِهِ الرّاحلينَ
وفي دمعِ أحفادِهِ القادمينَ،
ولو ضَنَّكَ الجوعُ أحشاءَهُ
واستوى خلفَ كلِّ الملاجئِ
منبوذةً قدماهُ على رملِها.

تأكلُ الحُرَّةُ الموتَ جائعةً
حينَ لا تأكلُ الخبزَ
منْ ثَدْيِها،
فلماذا يبيعونَها؟
منْ ينادي بسوقِ النَّخاسةِ؟
منْ يشتريها؟..
تكاثرَ تُجّارُها.

(قالَ اللهُ لآدمَ، بعدَ أنْ أكلَ منَ الشجرةِ: لِمَ أكلْتَها وقد نهيتُكَ عنها؟ قالَ: يا رَبِّ أطعمَتْني حوّاءُ. قالَ لحوّاءَ: لِمَ أطعَمْتِهِ؟ قالتْ: أمَرَتْني الحَيَّةُ. قالَ لِلْحَيَّةِ: لِمَ أمَرْتِها؟ قالتْ: أمَرَني إبليسُ. قالَ اللهُ: ملعونٌ، مدحورٌ.. أمّا أنتِ يا حَوّاءُ، فكما أدمَيْتِ الشجرةَ، فَتَدْمَيْنَ في كلِّ هلالٍ، وأمّا أنتِ يا حَيَّةُ، فأقطعُ قوائمَكِ؛ فتمشينَ جَرْياً على وجهِكِ، وسيشرَخُ رأسَكِ كلُّ منْ لَقِيَكِ بالحَجَرْ).

أينَ صنعاءُ؟
هل يذكرُ البحرُ قامتَها؟
يتذكَّرُ في شارعِ الشمسِ صوتَ البخورِ،
القوافلَ في رحلةِ الصَّيْفِ؟!
ما للرِّمالِ تغطّي جبينَ الطريقِ
فتنفقُ خيلُ النهارِ!
الرِّمالُ - هنا وهناكَ - على كلِّ وجهٍ
تنامُ
السِّيادةُ للَّيلِ..
والفرحُ الطفلُ يبحثُ عنْ ثَدْيِها
في القمامةِ
خلفَ الجليدِ،
الجليدُ تكسَّرَ
صارَ كوجهِ الحبيبةِ..
أشلاؤُهُ تتشظَّى،
تسافرُ في كلِّ عاصمةٍ
منْ عواصمِ مملكةِ اللَّيلِ،
تمسكُ ضِرْعَ (المصارفِ) والنفطِ،
ترسلُ - منْ عَرَقِ الرَّمْلِ
في سُحُبِ الفقراءِ الجياعِ ب (وادي القُرَى) -
مطراً تستحمُّ القصورُ الغريبةُ في مائِهِ،
والوجوهُ النُّحاسُ..
رصاصاً تمنَّيْتُ
لو كانتِ الكلماتُ لأطلقْتُها
في وجوهِ الذينَ يبيعونَ وجهَ الترابِ
الذي تَتَمَرَّى النجومُ عليهِ،
يبيعونَ هذا الجمالَ الذي تصنعُ الشمسُ
والبحرُ،
هذا السحابَ الذي يتمدَّدُ فوقَ الخليجِ
على الجرحِ،
هذا الذي كانَ يُدْعَى اليَمَنْ!

(قالَ آدمُ: يا رَبِّ.. إنْ تُبْتُ، وأصلحْتُ؟ فقالَ اللهُ: إذنْ.. أرجعُكَ إلى الجنَّةْ... ).

أهذا إذنْ وجهُها..
وجهُ صنعاءَ؟
كم يصدُقُ الوجهُ في الحُلْمِ!
لكنْ متى لا يكذِّبُهُ الواقعُ المرُّ،
منْ يملكُ الكلماتِ،
يحاولُ فكَّ طلاسمِ هذا السُّؤالِ
الذي يتحجَّرُ في العينِ،
يثقبُها؟
عَلَّ صنعاءَ تخرجُ منْ رَحِمِ اللَّيلِ،
تخرجُ منْ رَحِمِ الكهفِ
تخرجُ منْ رَحِمِ الحزنِ،
تمنحُ أبناءَها الواقفينَ على البابِ،
والمبعدينَ قليلاً منَ الماءِ..
بي ظمأٌ أقطعُ السنواتِ العجافَ
ولا ماءَ،
و (النِّيْلُ) بيتي،
أنامُ على الضِفَّتَينِ
وينعسُ رأسي على الموجِ
ظِلُّ النخيلِ مجاديفُ حُلْمي،
وفي (بَرَدَى) فائضٌ - والفراتِ -
منَ الماءِ..
لكنَّ مائي هناكَ
على هَضَباتِ (العَرِيفِ ([1]))
وعندَ (سُمارةَ ([2]))
حيثُ العصافيرُ ظامئةٌ يستبيها الهجيرُ
على شجرِ (البُنِّ) تبكي،
ومنْ حولِ أشراكِها تتفاررُ
تزقو..
فمنْ يحملُ الجسدَ الشّاحبَ الظِّلِّ؟
منْ يرجعُ الماءَ للنهرِ
والنهرَ للماءِ؟
منْ يرتدي عُرْيَ أشجارِها؟!
وجهُ صنعاءَ..
وجهُ التَّجاوزِ والحُلْمِ،
وجهُ البلادِ - النهارِ - السعيدةْ.

1973م

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى