[esi views ttl="1"][esi views ttl="1"]

الظلام يسقط على سنتياجو

الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح - نشوان نيوز - الظلام يسقط على سنتياجو

الظلامُ،
الدِّماءُ،
الدِّماءُ.. الظلامْ،
القتيلةُ في آخرِ الأرضِ رايتُنا
والقتيلُ الذي يتلفَّعُ شارتَها،
يتدثَّرُها كفناً،
القتيلُ هناكَ.. السَّلامْ.

* * *
منْ يغني وقد رحلوا؟
منْ يمزِّقُ فوقَ الشَّرايينِ أوردةَ النّايِ؟
منْ يستطيعُ المثولَ أمامَ (أبولُّو)
وقد سقطَ اللَّيْلُ فوقَ مدينتِهِ،
وتخيَّرَ منْ بينِ أبنائِهِ واحداً
كانَ صوتَ الضَّميرِ،
الذي يمنحُ الكلماتِ طهارتَها
والحروفَ نضارتَها،
ويعيدُ لها الدفءَ
حينَ يكونُ الصقيعُ جليداً،
وتنكفئُ الشمسُ
خلفَ خطوطِ الغمامْ؟
المدينةُ أسلمَتِ الرُّوحَ
والديدبانُ،
وشاعرُها أسلمَ الرُّوحَ،
منْ سيصلّي لهمْ؟
منْ يصلّي عليهم؟
حرابُ الجنودِ البرابرةِ المتخمينَ
تسيرُ على جثثِ الناسِ،
تدهسُهم عرباتٌ منَ القَيْحِ
والعَفَنِ الهمجِيِّ،
الظلامُ يقيمُ التَّراتيلَ
للسّادةِ القادمينَ معَ اللَّيلِ..
أينَ تُرَى سيقيمونَ؟
أينَ تقامُ المآدبُ؟
وجهُ المدينةُ ممتقعُ اللَّونِ،
غاصتْ ملامِحُهُ في بحارٍ منَ الوَحْلِ
والدَّمِ،
كلُّ الجبالِ مُدَمّاةُ،
كلُّ البراري حطامْ.

* * *
سِنْتِياجُو اعْذُرِيْني..
اعذريني مياهَ المحيطِ
إذا كنتُ لم أسْتَجِبْ
للنداءِ الذي أطلقتْهُ العصافيرُ،
ساعةَ دَوَّى الرَّصاصُ المغامرُ
واختلَطَ الدَّمُ
بالدَّمِ،
ساعةَ أنْ سقطَ اللَّيلُ فوقَ النهارِ..
اعْذُري سُفُني..
كيفَ أعبرُ نحوَكِ؟
رِجْلايَ في القيدِ
والطُّرُقاتُ محاصَرَةٌ بالجنودِ،
و (نفطُ) الجزيرةِ يشربُ صوتي
يبعثرُهُ في الفضاءِ دخاناً،
يصادرُ عشقي،
يقيمُ منَ الأعظمِ النَّخِراتِ
لتاريخِ مملكةِ الرَّمْلِ،
منْ رِمَمِ الوَثَنِيِّينَ أسيجةً
وتوابيتَ للموتِ..
في سُرَّةِ الأرضِ
دَوّامةٌ منْ تَوَرُّمِهِ،
يتقيّأُهُ جوفهُا ذهباً
ودموعاً
ومذبحةً،
آهِ..
لو أنَّ لي طاقهَ الشمسِ
كنتُ اشْتَعَلْتُ، وأشعلتُهُ
وَخَبَزْتُ على نارِهِ
قُرْصَ شعبٍ منَ الفقراءِ الجياعِ
العُراةِ،
وجئتُكِ يا دُرَّةَ القارةِ الضائعةْ.

* * *
منْ يغني وقد رحلوا؟
منْ يهزُّ التَّوابيتَ في ظلمةِ اللَّيلِ؟
منْ يستطيعُ السُّكُوتَ؟
المدينةُ تغرقُ في الدَّمِ
تحترقُ الجامعاتُ، المصانعُ
أعمدةُ المسرحِ، الكُتُبُ، الشِّعْرُ.
ضاقَ المدى
رئةُ الأرضِ لا تَتَنَفَّسُ،
تجري الشَّوارعُ مذعورةً..
سنتياجو تموتُ
ولكنَّها تتنفَّسُ في رئةِ الشمسِ،
شُطْآنُها المتراميةُ المدِّ تعلنُ عنْ بَعْثِها؛
منْ لهيبِ الحرائقِ تولدُ ثانيةً،
قد تموتُ مراراً
ولكنَّها سوفَ تولدُ ثالثةً
ثمَّ رابعةً،
لم يزلْ في مخازنِها الطينُ،
والماءُ والنّارُ،
والرَّغَباتُ العنيفةُ للخَلْقِ
لَمْ تحترقْ..
والذي ماتَ - شاعرُها -
صوتُهُ يتردَّدُ في الرِّيحِ،
في الشمسِ
في البحرِ:
- ها أنا ذا.. أسكنُ الرِّيحَ
والشمسَ،
في زَبَدِ البحرِ.. في موجِهِ
في هديرِ المناجمِ،
قادمةٌ سفني
والقصائدُ راجعةٌ.. راجعةْ.

* * *
الدِّماءُ تسيلُ
الشَّوارعُ تجري بلا هدفٍ،
تتعرَّى الحمامةُ منْ ريشِها
تتحوَّلُ صقراً بمنقارِهِ يثقبُ الحائطَ / اللَّيلَ،
يرحلُ في جسدِ الشمسِ
يغمسُ في لونِها ريشَهُ..
فتعودُ الحمامةُ حاملةً رايةَ الوطنِ
الرّاكعةْ،
يسقطُ اللَّيلُ
تنتفضُ الجُثَّةُ الوادعةْ!

* * *
الظلامُ.. الدِّماءُ،
الدِّماءُ.. الظلامْ،
القتيلةُ في آخِرِ الأرضِ رايتُنا
والقتيلُ الذي يتلفَّعُ شارتَها
يتدثَّرُها كفناً،
القتيلُ هناكَ.. السلامْ!

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى